إثبات النسب في قانون الأسرة الجزائري

يعتبر موضوع إثبات النسب من بين المواضيع الحساسة و المهمة جدا نظرا لطبيعة المجتمع الذي نعيش فيه، فالمجتمع الجزائري مثله مثل باقي المجتمعات العربية و الإسلامية يقدس الأسرة و يعد النسب أقوى الدعائم التي تقوم عليها الأسرة، زيادة على ذلك يترتب على النسب أثار ذات أهمية بالغة، بحيث أن ثبوت النسب يؤدي إلى ثبوت الحق في الإرث و الحق في حمل الاسم العائلي و الحق في النفقة و الحق في ممارسة الحضانة و الولاية و غيرها من الحقوق الأساسية و الجوهرية .
و نشير أن طرق إثبات النسب متنوعة ، إذ طبقا للمادة 40 من قانون الأسرة يمكن إثبات النسب عن طريق الزواج الصحيح و الإقرار و البينة و نكاح الشبهة و بكل زواج تم فسخه بعد الدخول، كما أن هناك الطرق العلمية لإثبات النسب باعتبارها طرق حديثة لم تكن معروفة من قبل.
تعريف النسب
النسب في اللغة يطلق على معاني عدة أهمها القرابة و الصلة، فيقال إنتسب إلى فلان أي  إدعى أنه نسيبه و قريبه، ويقال أيضا هذا يناسب هذا بمعنى يقاربه من حيث الشبه.
أما من الناحية الإصطلاحية فلا يوجد تعريف جامع مانع للنسب، وبالتالي يمكن تعريف النسب على أنه تلك الصلة التي تربط الإنسان بأصوله وفروعه و حواشيه ، ﺃﻤﺎ ﺒﺎلنسبة للمشرع الجزائري ﻓﻘﺩ ﺤﺩﺩ المقصود بقرابة النسب ﻓﻲ القانون ﺍلمدني ﺒﺄﻨﻬﺎ ﺍلصلة القائمة ﺒﻴﻥ ﺍﻷﺸﺨﺎﺹ ﺍلذين ﻴﺠﻤﻌﻬﻡ ﺃﺼل ﻤﺸﺘﺭﻙ ،ﺤﻴﺙ نصت ﺍلمادة 32 من القانون ﺍلمدني الجزائري ﻋﻠﻰ أنه  ” ﺘﺘﻜﻭﻥ ﺃﺴﺭﺓ ﺍلشخص ﻤﻥ ﺫﻭﻱ ﻗﺭﺒﺎﻩ، ﻭﻴﻌﺘﺒﺭ ﻤﻥ ﺫﻭﻱ ﺍلقربى ﻜل ﻤﻥ ﻴﺠﻤﻌﻬﻡ ﺃﺼل ﻭﺍﺤﺩ  “.
أنواع الطرق العلمية لإثبات النسب
تتمثل أهم الطرق العلمية لإثبات النسب في طريقة تحليل فصائل الدم و طريقة الحمض النووي .
1 – طريقة تحليل فصائل الدم
يوجد في الدم العديد من الصفات الوراثية الموروثة من عند الأب و الأم ، بحيث يأخذ الطفل نصف الصفات من أبيه الحقيقي و النصف الآخر من أمه، و ذلك عن طريق الحيوان المنوي للرجل و بويضة المرأة، ومن العلامات الوراثية الموجودة في دم الإنسان نجد فصائل الدم الرئيسية، و تعتمد طريقة (ABO ,RH ,MN ,HLAتحليل فصائل الدم على الأنظمة الرئيسية التالية ).
و تعد طريقة تحليل  فصائل الدم أقدم طريقة علمية لإثبات النسب فقد ظهرت في بداية القرن 20 م،غير أن  طريقة  تحليل فصائل الدم دليل لا تشكل دليل إثبات قطعي للنسب، فحسب أغلب الخبراء في هذا المجال نسبة إثبات النسب طبقا لهذه الطريقة لا تتجاوز 40 بالمائة، و ذلك باعتبار أنه قد يشترك أشخاص كثيرون في فصيلة الدم الواحد مما قد يخلق تشابه و إشكالات عديدة .
2- DNA طريقة البصمة الوراثية
قد تم تعريف البصمة الوراثية على أنها البنية الجينية نسبة إلى الجينات أي الموروثات التي تدل على هوية كل إنسان بعينه، وتم تعريفها أيضا على أنها العلامة التي تنتقل من الأصول إلى الفروع فهي المادة الحاملة للعوامل الوراثية ،و تم اكتشاف طريقة البصمة الوراثية سنة 1985 من قبل البروفيسور البريطاني أليك جيفريز من جامعة ليستر .
موقف قانون الأسرة الجزائري من الطرق العلمية لإثبات النسب
لم يكن يعترف قانون الأسرة الجزائري عند صدوره لأول مرة سنة 1984 بالطرق العلمية لإثبات النسب ،بإعتبار أن الطرق العلمية في ذلك الوقت لم تكن متطورة جدا فقد رأينا أن طريقة تحليل فصائل الدم نتائجها غير مضمونة في مجال إثبات النسب ، أما طريقة البصمة الوراثية فقد ظهرت سنة 1985 أي بعد صدور قانون الأسرة الجزائري ،إضافة إلى ذلك كان هناك جدل فقهي بين علماء الدين حول شرعية استعمال الطرق العلمية  في مجال إثبات النسب.
فالطرق العلمية لم تكن مقبولة من الناحية الشرعية لإثبات النسب، غير أنه مع مرور الوقت أصبحت فكرة استعمال الطرق العلمية تحظى بقبول من طرف علماء الدين، و بالأخص بعدما أكدت المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية سنة 2001 أنه لا يوجد أي مانع شرعي لاستعمال البصمة الوراثية لإثبات النسب،بحيث توصل ما يقارب 26 خبير تابع لهذه المنظمة إلى أن البصمة الوراثية تعد طريقة علمية عالية الدقة .
و المشرع الجزائري بدوره قرر مسايرة هذه التطورات العلمية و الفقهية في مجال إثبات النسب، وفي هذا المجال صدر سنة 2005 القانون 05 – 02 المؤرخ في 27 / 02 / 2005 المعدل و المتمم لقانون الأسرة ،فقد أصبحت المادة 40 من قانون الأسرة تنص في فقرتها الثانية على ما يلي ” ….يجوز للقاضي اللجوء إلى الطرق العلمية لإثبات النسب  “.
فمنذ سنة 2005 أصبح بإمكان القاضي الجزائري استعمال الطرق العلمية من أجل إثبات النسب ، بحيث يمكن اللجوء إلى هذه الطرق في حالة مثلا تنازع إثنين في مجهول النسب ، أو عدول الأب عن إستلحاق مجهول النسب أو إنكار أبنائه ، أو في حالة حدوث خلاف بين الإخوة حول نسب أحد منهم ، أو في حالة إدعاء إمرأة بأمومتها لشخص ما دون تقديم دليل على ولادتها له ، غير أنه يتعين علينا أن نشير أن اللجوء إلى الطرق العلمية لإثبات النسب لابد أن يكون في إطار وجود عقد زواج شرعي ،لأن الكثير من الناس في الجزائر يعتقدون أن استعمال الطرق العلمية لإثبات النسب لا يحتاج إلى وجود علاقة زوجية مثلما هو الحال في الدول الغربية، في حين أن ذلك غير صحيح، فقانون الأسرة الجزائري مستمد من أحكام الشريعية الإسلامية .
و وفقا لأحكام الشريعة تخضع مسألة إثبات النسب بصرف النظر عن الطريقة أي حتى لو كانت بموجب الطرق العلمية لضوابط شرعية أهمها وجود علاقة زوجية شرعية عملا بالقاعدة الشرعية التي تقول  ” الولد للفراش و للعاهر الحجر  ” بحيث أن الطفل الذي يولد نتيجة علاقة غير شرعية أي علاقة زنا لا يمكن المطالبة بإثبات نسبه للأب و إنما ينسب لأمه،هذا ما نصت عليه المادة 41 من قانون الأسرة التي نصت على أنه  ” ينسب الولد لأبيه متى كان الزواج شرعيا و أمكن الاتصال و لم ينفه بالطرق المشروعة  “، و قد كرست المحكمة العليا هذا المبدأ الشرعي في قرارها الصادر بتاريخ 12 / 07 / 2012 جاء فيه ”  لكن حيث أنه قد ثبت من الحكم المستأنف و من القرار المطعون فيه ،و من اعتراف الطاعنة الوارد بالحكم و القرار المذكوريين ،أن العلاقة التي كانت تربطها بالمطعون ضده هي مجرد علاقة عاطفية ……. و من ثم فإن قضاة المجلس بقضائهم بالمصادقة على الحكم المستأنف القاضي برفض دعواها استنادا إلى عدم وجود أية علاقة زوجية بينهم …. ” .
الإشكالات التي تطرحها الطرق العلمية في مجال إثبات النسب
إن استعمال الطرق العلمية من أجل إثبات النسب يطرح العديد من العوائق و الإشكالات في الجزائر تتمثل أهمها فيما يلي :
1 – المادة 40 من قانون الأسرة الجزائري لم تحدد نوع الطرق العلمية التي يمكن أن يلجأ لها القاضي من أجل إثبات النسب ،هل القاضي يستعمل طريقة تحليل فصائل الدم أم طريقة البصمة الوراثية  أم طرق علمية أخرى من أجل إثبات النسب ؟
حيث أن نصت المادة 40 من قانون الأسرة تجاه هذه المسألة قد يخلق عدة مشاكل أمام الجهات القضائية ، فقد يحدث تضارب بين الجهات القضائية في تحديد الطريقة العلمية لإثبات النسب، فيلجأ قاضي لطريقة تحليل فصائل الدم بينما يلجأ قاضي آخر إلى طريقة البصمة الوراثية، و ربما قد يحدث هذا التضارب بين قاضي الدرجة الأولى و قاضي الدرجة الثانية ،أي أن قاضي المحكمة الابتدائية يقرر اللجوء إلى طريقة تحليل فصائل الدم بينما قاضي الاستئناف يقرر إلغاء هذا الحكم و الاعتماد على البصمة الوراثية .
و بالتالي نعتقد أنه من مصلحة المتقاضي توحيد الطرق العلمية لإثبات النسب كالاعتماد على البصمة الوراثية باعتبارها الأكثر دقة في تحديد النسب .
و نشير أنه لاحظنا لجوء أغلب المحاكم لطريقة البصمة الوراثية، و قد صدرت قرارات عن المحكمة العليا تؤكد ذلك، كالقرار الصادر بتاريخ 05 / 03 / 2006 جاء فيه  ” حيث بالإطلاع على القرار المطعون فيه الذي تبنى الحكم المستأنف ،يتبين بأن قضاة الموضوع لم يستجيبوا لطلب الطاعنة الرامي إلى إلحاق ADNنسب المولود للمطعون ضد باعتباره أبا له كما أثبته الخبرة العلمية………..”
2 – اللجوء إلى الطرق العلمية لإثبات النسب مسألة جوازية للقاضي و ليست إلزامية، فالمادة 40 من قانون الأسرة منحت القاضي سلطة تقديرية في هذا المجال، فالقاضي يمكنه رفض طلب اللجوء إلى الطرق العلمية، و هذا حسب اعتقادنا أمر غير مقبول .
فكل مواطن جزائري له الحق في أن يتأكد من نسبه عن طريقة الوسائل الحديثة التي تحدد ذلك بدقة عالية ،فالطرق العلمية  هي الأكثر نزاهة و مصداقية مقارنة بالطرق القديمة المستعملة في إثبات النسب كالإقرار و نكاح الشبهة .
المصاريف اللازمة لإجراء الخبرة العلمية المثبتة للنسب باهظة جدا،كما أن المراكز المختصة في إجراء هذه الخبرة العلمية قليلة جدا فكلها تابعة لجهاز الشرطة القضائية ،و بالتالي نرى أنه يستوجب على السلطات الرسمية بناء المزيد من المراكز العلمية المختصة في إجراء تحاليل البصمة الوراثية فهي ضرورة ملحة ليس فقط في مجال النسب .
فالكشف عن البصمة الوراثية أصبحت ضرورية في مجالات عديدة علمية و جامعية و غيرها ،ويجب كذا أن تكون مصاريف هذه الخبرة العلمية معقولة لكي تكون في متناول المتقاضي ،وهذا يعد تكريس لحق المواطن في اللجوء إلى القضاء .
3 – هل نتائج الخبرة العلمية في مجال إثبات النسب ملزمة للقاضي أم لا ؟ المادة 40 من قانون الأسرة التي أجازت للقاضي اللجوء إلى الطرق العلمية من أجل إثبات النسب لم تجب عن هذا السؤال .
 و بالرجوع إلى القواعد العامة في مجال الخبرة العلمية و بالتحديد المادة 144 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية يتبين لنا أن القاضي غير ملزم بنتائج الخبرة العلمية، و هذا حسب اعتقاد بعض المختصين في مجال إثبات النسب أمر غير مقبول، فالقاضي يمكنه طلب خبرة مضادة إذا رأى ضرورة في ذلك و لكنه في النهاية يجب أن يصادق على نتائج الخبرة العلمية .
4 – وجود تعارض بين ما يسمى باللعان و بين الطرق العلمية، واللعان هو اتهام الزوج لزوجته بالزنا في ظل انعدام الشهود  و اللعان حكم شرعي مستمد من القرآن الكريم ( الآيات 06 إلى 09 من سورة النور ).
يتم عن طريق قول الزوج لزوجته أربعة مرات  ” أشهد بالله أني من الصادقين فيما رميته بها ” ، ثم في المرة الخامسة يقول “لعنة الله علي إن كنت من الكاذبين  “، و تقول الزوجة لزوجها أربعة مرات  ” أشهد بالله أنه من الكاذبين  ” و تقول في المرة الخامسة  ” غضب الله علي إن كان من الصادقين  “.
حيث أن المحكمة العليا ترى أن الوسيلة الوحيدة التي يمكن من خلالها للزوج أن ينفي نسب الطفل هي اللعان أي أنه لا يمكن للزوج اللجوء إلى الطرق العلمية من أجل نفي النسب، فوفقا للمحكمة العليا الطرق العلمية هي وسيلة للإثبات و ليس وسيلة نفي، فقد صدر عن المحكمة العليا قرار بتاريخ 10 / 01 / 2013 جاء فيه  ” ….فإن النسب الثابت لا ينتفي إلا باللعان فقط و هو الطريق المشروع الذي قصدته المادة 41 من قانون الأسرة ،و لا يجوز تقديم البصمة الوراثية على اللعان ….. “.
و ذهبت المحكمة العليا أبعد ذلك فقد ربطت حق الزوج في نفي نسب الطفل عن طريق اللعان بفترة زمنية قصيرة جدا و هي أسبوع من يوم رؤيته لزنا زوجته أو أسبوع من يوم علمه أن زوجته حامل، فقد صدر عن المحكمة العليا قرار بتاريخ 15 / 10 / 2009 جاء فيه ” ….. بعدم قبول دعوى الملاعنة التي رفعها المطعون ضده لورودها خارج أجلها الشرعي و هو أسبوع من يوم رؤية الزنا أو من يوم العلم بالحمل ……. “.
 
فلو مثلا اكتشف زوج أنه زوجته خانته منذ سنوات و راودته بالنتيجة شكوك حول نسب الطفل فإنه في هذه الحالة لا يمكنه أن ينفي النسب لا بالملاعنة باعتبار أن أجل اللعان قد انقضى و لا بالطرق العلمية باعتبار أن نفي الزوج لنسب طفله لا يكون إلا باللعان ؟؟.
هذا حسب اعتقاد بعض الخبراء  أمر غير منطقي، بحيث يجب الاعتماد على الطرق العلمية الحديثة من أجل إثبات النسب بدل اللعان،كما أنه يجب إعطاء الزوج الحق في نفي نسب أطفاله حتى بعد مرور سنوات ، لأنه قد تظهر حقائق و معطيات جديدة لم يكن يعلمها من قبل ،فمن حق الزوج أن يحافظ على نسب العائلة باستبعاد ابن الزنا .
و هكذا يرى بعض المختصين في المجال أنه يستوجب تعديل المادة 40 من قانون الأسرة و ذلك بجعل اللجوء إلى الطرق العلمية لإثبات النسب ملزم للقاضي مع تحديد نوع الطريقة العلمية اللازمة لإثبات النسب ،و يجب إلزام القاضي بالنتائج التي تتوصل إليها الخبرة العلمية في مسألة إثبات النسب، كما أنه لابد من منح الزوجين الحق في إثبات و نفي النسب بواسطة الطرق العلمية دون قيد أو شرط .

شاهد أيضاً

أركان جريمة القتل والجرح الخطأ

التشريع الجزائري نص عن القتل الخطأ في أحكام المادتين 288 على القتل و289 جنحة الخطأ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *